عتمة العاصمة … كيف كشفت نيران المحطتين هشاشة وهم الإنجازات؟

إطول عمر محمدن المصطف
لم تكن الحرائق التي التهمت محطتي التحويل الشرقية والشمالية لشركة «صوملك»، أعطال تقنية طارئة، ولا كان الظلام الدامس الذي خنق نواكشوط لأكثر من 40 ساعة حادثاً عابراً.

إنها اللحظة التي سقطت فيها مساحيق التجميل عن وجه السلطة، لتقف عارية أمام مرآة الفشل الإداري والسياسي الهيكلي.

بدأت الفضيحة بحريق المحطة الشرقية بتوجنين، وما هي إلا ساعات حتى لحقت بها المحطة الشمالية بتفرغ زينة؛ حادثتان متتاليتان لخصتا واقع شبكة تهالكت تحت وطأة الفساد وغياب الصيانة.

أدى انقطاع الكهرباء إلى شلل كامل في شريان الحياة بالحضر؛ انقطعت المياه، وتعطلت الاتصالات، وتوقفت الأسواق والمستشفيات، وتجمدت المصالح الحيوية للمواطنين.

كشفت الأزمة أن العاصمة تدار وفق أدنى مستويات السلامة، حيث يتسبب عطل محطة واحدة في شلل وطن بأكمله.

تعتيم على الجاني وحماية المتسببين
تتكرر الكوارث في هذه الدولة دون أن يرى المواطن مسؤولاً واحداً يقدّم للمحاسبة العلنية.

تُدار الأزمات دائماً بمنطق “ردم الملفات” وتجهيل المتسبب الحقيقي، فتُشكل اللجان فور وقوع الكوارث، لكن نتاجها يدفن في الأدراج المظلمة، ليظل اسم الوزير أو الشركة أو المقاول أو المهندس المتسبب حظراً على الرأي العام.

وعندما يأمن المسؤول والمقاول العقاب، يصبح الإهمال والاستخفاف بسلامة التجهيزات والخدمات الحيوية قاعدة عمل يومية لا استثناءً.

في مختلف دول العالم، تودي حادثة بهذا الحجم بالمسؤول الأول عن القطاع إلى تقديم استقالته فوراً احتراماً للشعب، أو تقيله السلطة حفظاً لماء وجه الدولة.

أما في منطق السلطة القائم… فيتفرج الوزير والمدير على عاصمة كاملة ترزح تحت الظلام، دون أن يتحرك فيهم حس المسؤولية الأخلاقية أو الشجاعة الأدبية للترجل عن مناصبهم.

وتمتنع السلطة عن إقالة المسؤولين عن الفشل، بل تُكافؤهم غالباً بالصمت، أو التدوير في مناصب أخرى، مما يكرس الفكرة القائلة إن المنصب المباشر ليس خدمة عمومية بل غنيمة لا تزول بالفشل.

إن نزول الرئيس محمد ولد الغزواني إلى موقع الحريق ليس دليلاً على قوة الاستجابة، فقد جاء متأخرا، بل هو إدانة صارخة للغائبين من رجاله وبنيان دولته.

فعندما يضطر رأس السلطة للوقوف بنفسه على تفاصيل صيانة محطة، فهذا يعني اعترافاً ضمنياً بأن الوزارات، وأجهزة الرقابة، ولجان الصفقات، ليست سوى هياكل كرتونية.

إن الوعود بفتح «تحقيق لمعرفة الأسباب والاختلالات» تشكل اعترافاً رسمياً بوجود التلاعب والإهمال، لكنها في العادة تتحول إلى شماعة لامتصاص غضب الشارع حتى ينسى.

الحل في الحل
والحل واضح وجلي أمام من يريد الإصلاح وله القدرة على تطبيقه، ولا يتعلق الأمر إلا بحل منظمومة الفساد وتفكيكها.

يتمثل ذلك في فرض تدقيق جنائي وفني خارجي في جميع صفقات قطاع الطاقة وشركة «صوملك»، والمساءلة الجنائية والمالية لكل متورط في استلام معدات مغشوشة أو التستر على الصيانة الإدارية، وإرساء مبدأ كسر الحصانة عن الفشلة.

وإقرار قانون يلزم الشركة ودولة الفشل بتعويض المواطنين والتجار عن الأضرار المادية الخاطفة التي لحقت بهم.

هذا التعويض هو ردع لهذه المؤسسة ولمثيلاتها وصيانة لحقوق المواطنين الذين تحملوا الخسائر.

لن يحسم عودة التيار الكهربائي الأزمة؛فالظلام هو إدارة البلاد بعقلية العشوائية وحماية الفساد وغياب المساءلة.

هذه الحلول تنطبق على مختلف القطاعات والمؤسسات الحكومية التي تجذر الفساد في صفقاتها ولا تنتظر عن السقوط إلا حريق يكشف التستر على واقعها.

لقد وقفت السلطة اليوم أمام المرآة، وهذه المرة لم تكن المرآة خطاباً للمعارضة، بل كانت واقعاً مظلماً أكتوى به كل بيت في نواكشوط.

إن عودة التيار دون قطع مع نهج التعتيم وتفعيل أقصى درجات العقاب والإقالة، لا تعني سوى أننا ننتظر الكارثة القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *