تعد قضية لحراطين في موريتانيا من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية وتعقيدا، بالنظر إلى ارتباطها بتاريخ طويل من التراتبية الاجتماعية والتحولات الاقتصادية والثقافية التي أثرت في بنية المجتمع الموريتاني.
ومن منظور اجتماعي فإن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تتم عبر الخطابات الانفعالية أو الشعارات السياسية العابرة، بل من خلال مقاربة وطنية هادئة تستند إلى فهم الجذور التاريخية للمشكلة، وتبحث عن حلول عملية ومستدامة تحفظ التماسك الاجتماعي وتعزز العدالة والمساواة.
لقد عانت شريحة لحراطين، على مدى عقود، من ضعف النفاذ إلى التعليم والملكية والفرص الاقتصادية، الأمر الذي ساهم في تكريس فجوات اجتماعية تراكمت آثارها عبر الأجيال.
ورغم ما شهدته البلاد من إصلاحات قانونية ومؤسساتية خلال السنوات الماضية فإن التحولات الاجتماعية العميقة لا تتحقق بالنصوص وحدها، لأن البنى الاجتماعية التقليدية غالبا ما تكون بطيئة التغير وتحتاج إلى سياسات طويلة الأمد تراعي الواقع الاجتماعي والثقافي للمجتمع.
وفي المقابل، فإن اختزال هذه القضية في إطار صراع عرقي أو تقديم المجتمع الموريتاني باعتباره مجتمعا منقسما بصورة حادة، يمثل مقاربة غير دقيقة من الناحية العلمية، كما أنه يهدد بإنتاج مزيد من الاحتقان والاستقطاب.
فالمجتمع الموريتاني، رغم ما يعتريه من اختلالات، ظل قائما على قدر معتبر من التداخل الاجتماعي والثقافي والديني، وهو ما يفرض التعامل مع هذا الملف بروح الإصلاح لا بمنطق المواجهة.
كما أن من أبرز الإشكالات التي رافقت هذا الملف خلال العقود الأخيرة هي توظيفه سياسيا من طرف بعض الفاعلين، سواء عبر استثماره في المنافسات الانتخابية أو عبر توظيف خطاب المظلومية لتحقيق مكاسب ظرفية.
وقد أدى هذا النمط من “ركوب الموجات” إلى تحويل النقاش أحيانا من البحث عن الحلول الواقعية إلى إنتاج خطاب تعبوي يقوم على الإثارة أكثر مما يقوم على المعالجة الجادة.
ومهما كانت عدالة المطالب، فإن القضايا الاجتماعية الكبرى لا تحل بالشعارات، بل عبر برامج إصلاحية واضحة وقابلة للتنفيذ.
ومن الناحية الاجتماعية والتنموية، فإن معالجة أوضاع لحراطين تتطلب التركيز على تكافؤ الفرص باعتباره المدخل الأساسي لتحقيق العدالة الاجتماعية ، ويشمل ذلك تطوير التعليم في المناطق والفئات الهشة، وتوسيع فرص التشغيل والتمكين الاقتصادي، وتعزيز الحضور العادل في الإدارة ومؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والإنصاف، إضافة إلى محاربة كل أشكال التمييز بصورة قانونية ومؤسساتية.
غير أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يقتصر على الجانب القانوني أو الإداري فقط، بل يحتاج أيضا إلى عمل ثقافي وتربوي طويل النفس يهدف إلى إعادة تشكيل الوعي المجتمعي وتعزيز قيم المواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية.
فالقوانين، مهما بلغت قوتها، تظل محدودة الأثر إذا لم تُواكبها تحولات في العقليات والسلوكيات الاجتماعية وهو ما يجعل المدرسة والإعلام والخطاب الديني والنخب الثقافية شركاء أساسيين في أي مشروع إصلاحي جاد.
ومن المهم كذلك الابتعاد عن التعميمات المطلقة في تناول هذه الشريحة، إذ إن لحراطين ليسوا كتلة اجتماعية واحدة متجانسة، بل تضم هذه الفئة مستويات متباينة من حيث التعليم والوضع الاقتصادي والاندماج الاجتماعي.
ولذلك فإن المقاربة العلمية الرصينة تقتضي فهم هذا التنوع الداخلي، بدل التعامل مع القضية بمنطق التبسيط أو التصنيف الجامد.
إن مستقبل الاستقرار الاجتماعي في موريتانيا يظل مرتبطا بقدرة مختلف الفاعلين على إدارة هذا الملف بعقلانية ومسؤولية وطنية، بعيدا عن خطاب الكراهية والتنابز والاستقطاب.
فالمجتمعات التي تنجح في تجاوز ماضيها ليست تلك التي تنكر مشكلاتها، ولا تلك التي تؤجج الصراعات الداخلية، بل تلك التي تمتلك شجاعة الاعتراف، وحكمة الإصلاح، وإرادة بناء مستقبل مشترك يقوم على العدالة والإنصاف والمواطنة الجامعة.
إسلم احمود اعليه
مستشار في قانون التحكيم الدولي / ناشط مدني.

