لم تعد أزمة الحكم في موريتانيا تحتاج إلى أدلة خفية. فالمشهد اليوم يكشف عن نظام يبدو عاجزاً عن إنقاذ مؤسسات الدولة من التآكل، وأضعف من أن يخوض معركة حقيقية ضد الفساد.
المشكلة لم تعد في غياب النصوص والقوانين، بل في غياب الإرادة. فالمؤسسات التي كان يفترض أن تكون صمام أمان للإدارة العامة، تعاني من التسييس والشلل الإداري. والقرارات بدل أن تُبنى على الكفاءة، تُدار بالمحسوبية والولاءات الضيقة. والنتيجة الطبيعية هي تراجع الثقة بين المواطن والدولة، وتحوّل الإدارة إلى عبء بدل أن تكون خادمة للمواطن.
أما ملف مكافحة الفساد، فما زال يدور في حلقة الشعارات. فالخطاب الرسمي لا يزال يتحدث عن الإصلاح والمحاسبة، لكن الواقع يقول إن الملفات الكبرى إما مجمّدة أو تُعالج بانتقائية واضحة. هذا الانتقائي يمنح رسالة خاطئة: أن العقاب لا يطال إلا الخصوم، وأن المقرّبين في مأمن.
وعلى صعيد التسيير اليومي، تبدو الهشاشة واضحة في كل مكان. مشاريع متعثرة، خدمات صحية وتعليمية متردية، وبنى تحتية لا تصمد أمام أول اختبار. وفي ظل غياب التخطيط والمتابعة، يدفع المواطن الثمن مباشرة من جيبه ومن كرامته.
الدولة لا تُبنى بالخطابات، بل بإعادة الاعتبار للمؤسسات. فبدون إرادة حقيقية لفصل المال عن السلطة، وتفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة على الجميع دون استثناء، سيبقى الإصلاح مجرد وعد مؤجل، وسيظل المواطن يدور في دائرة الإحباط.
الإصلاح يبدأ عندما تتحول المحاسبة إلى قاعدة لا استثناء، وحين يصبح معيار الكفاءة أعلى من معيار الولاء. غير ذلك، فكل حديث عن التغيير سيبقى استهلاكاً إعلامياً لا أثر له على الأرض.

