“أحاديث عن مارسيليا والعمامة الموريتانية” بقلم أحمد جدو أحد ممثلي موريتانيا في قافلة الصمود العالمية

الطريق إلى غزة(2)

في يوم إبحارنا الثالث، غادرنا جزيرة “كاستيلوريزو” اليونانية عند حلول المساء، بعد توقفٍ دام يوما كاملا؛ توقف التقطت فيه سفينتنا المجهدة أنفاسها قبل أن تشق ليل البحر. كانت بوصلتنا تشير نحو “أنطاليا” التركية، التي بلغتْها مراسينا في السابعة صباحاً بتوقيت فلسطين من يوم الأحد، السابع عشر من مايو، بعد اثنتي عشرة ساعة من الإبحار المتواصل في جوف الليل المظلم.

منحنا ذلك التوقف القسري قرب الجزيرة هدنة شحيحة مع وعثاء السفر، ومساحة أعدنا فيها ترتيب فوضى السفينة، وبث الحياة في حكاياتنا عبر أحاديثَ تتقاطع فيها اللغات وتتوحد فيها الشجون.

حدّثتنا السيدة الفرنسية “ليتيسيا” عن “مارسيليا”؛ حدّثتنا بشغفٍ يترفع عن كبرياء باريس المصنوع، ومجدت في تلك المدينة الكوزموبوليتية الغارقة في تنوعها، حتى خيِّل إليّ من فرط عشقها أنها تصف مدينة لكصر وشموخها. ليتيسيا امرأة تسير في هذا العالم محملة بـ “لاءات” ثلاثة واضحة كحد السكين: لا لماكرون، لا للوبين، ولا للاستعمار بكل أشكاله المقنعة، بينما تنحاز بنعمٍ واحدة لـ “ميلانشون”. مجسدة بذلك الهبة العالمية التي ترفض أن تكون شريكا في الجريمة.

وعلى المرفأ المقابل، يجلس “محسن” الماليزي. رجلٌ تكتشف في ملامحه الآسيوية هوىً مصريا قحاً؛ إذ استوطنت الأغاني المصرية وجدانه، وصارت نبرات عمرو دياب وحمزة نمرة تستحوذ على خوارزميات “سبوتيفاي” في هاتفه، بل إن شغفه امتد حتى لتفاصيل الإعلانات المصرية. محسن يشعر بالعربية رغما عن عدم نطقها، فاللغة هنا حبل سري يربطه ببلاد النيل، ولعل السبب شقيق له نهل يوما من علم “الزقازيق” وترك في قلب أخيه بعضا من طين مصر.

تلاقت نظرات ليتيسيا ومحسن على “عمامتي”؛ تلك القماشة البسيطة التي ألوذ بها اتقاءً لسطوة الشمس وبرد البحر. أدهشتهما الفكرة، وفي حركتها دلالة على الرغبة في الانتماء لهذه الرحلة، فطلب مني محسن أن أعممه بها. وفي تلك اللحظة، كنا نتبادل الهويات ونذيب الفوارق بقطعة قماش.

والآن، وأنا أكتب هذه الكلمات بهاتف يرتجف برجرجت المحرك، عادت سفينتنا تتحرك مجدداً لتلتحم ببقية الأسطول. البحر أمامنا واسع ومتربص، لكن الوجهة ثابتة لا تحيد: غزة. والغاية هي كسر الحصار، وضخ الحياة في شرايين وطن يرفض الموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *