حداء الحناجر الجميلة، وعبير الكلمة الملتزمة، وعناق الفطرة السليمة مع مواويل النشيد الصادقة، حقٌّ كان على الحركة الإسلامية أن تؤديه للجمهور الموريتاني منذ زمان، وهي التي عودته أن تعطيه حقه في النضال والوعظ والإرشاد، وبلسمة الجراح.
صحيح أن في إملاءات الواقع وتواضع البنية التحتية للدولة الموريتانية وطبيعة التقلب السياسي بعض العذر، ولكن «حداء الصحراء» كان من حقه أن لا يبقى مبحوحاً تتعاطاه سوح الجمعيات والنوادي والهواة إلى هذا الوقت.
أما وقد وفّقت جمعية المستقبل بهذا الحق، فإن الفرصة مواتية للتساؤل عن ملامح المشروع الجمالي الذي يحتاجه «مشروع المستقبل» في موريتانيا، وعن المقاصد التي يؤديها هذا المشروع الجمالي — إن هو تحقق — في تجلية ما علق بفهم الناس للتدين، ووصلهم بينابيع الإسلام الصافية بعيدًا عن يبوسة الغلو وغبش التمييع، وهو ما يحاول هذا المقال طرقه عبر نقاط سريعة:
في تجلية بعض المفاهيم
العدول عن كلمة «التدين» واستعمال كلمة «الدين» في هذا المقال عدول مقصود، مرده التفريق بين «الدين» الذي هو جميل باتفاق، و«التدين» الذي هو كسب بشري، يسعى لتمثل الدين، فيصيبه ما يصيب العمل البشري من شطط في الممارسة أو تقصير فيها.
والجنوح إلى كلمة «الجمال» مقصود هو أيضًا لما ترسخ في قلوب الناس وأذهانهم — سيما الموريتانيين منهم — من حدية بين التدين والجمال، حتى لكأنهما طرفا نقيض، على أن الجمال الموسوم بقيد التدين قاضٍ بالنزوع إلى التصور الجمالي الذي يعتقد أن الجمال جوهر أصيل في الدين، تفيض أنواره من كل حقائقه الإيمانية والتشريعية، وأن التدين ملزم بالتشبث بهذا الجمال، حتى يكون مثالًا في الحسن ويرقى إلى حب الله: «إن الله جميل يحب الجمال».
وإذا ترسخ هذان المفهومان فإن ذلك يقطع كل التصورات التي ترسخت بفعل المتشددين والمتزوبين في مجتمع لا تكتمل عناصر «الفتوة» فيه إلا لمن يمتلك حسًّا ذوقيًّا يؤهله لتصدر الصفوف ساعة تكون الكلمة هي سيدة الموقف.
ولا جرم أن يكون للفتى من منظور منظمي «حداء الصحراء» صفات ينماز بها عن الفتى بالمنظور الآنف؛ لأن نفسه الجميلة تأبى التوسخ بدرن الاختلاط، وتفهم التبتل في محراب الكلمة والصوت الجميل، منضبطًا بمقاصد السمو ونوازع الحكمة، ومقامات التأمل.
لكأني ببعض النخبة الموريتانية وقد راعها أن الإسلاميين يفهمون الدين على أنه خفقة باكٍ في المسجد، ونفثة شاعر في صلوات الحرف، وصوت منشد يتملّى كتاب الله المسطور، وتصور مسرحي يقرأ كل مشاهد الحياة على أنها رسالة.
مقاصد يجب أن تتحقق
إذا كان من شأن «مهرجان حداء الصحراء» أن يصحح بعض المفاهيم العالقة بالذهنية الموريتانية عن طبيعة التدين، فإن عليه المعول — بعد الله — في أن يحقق بعض المقاصد، حقيقٌ أن نصل إليها وأن نتخذ للوصول إليها سبيلًا.
وأول هذه المقاصد أن نرسخ في أذهان الناس مفهوم الداعية الشمولي الذي يهز أعواد المنابر بمواعظه، ويريح النفوس بمواجده المجمّلة بعبق الجمال في هذا الكون الساحر. فكم من داعية سقط من أعين الناس — ومن بينهم بعض الدعاة للأسف — لأنه منشد، وكم من منشد حرمتنا عادات المجتمع، التي تقصر الفن على فئة دون فئة، شدوه الجميل.
إن تكسير هذه الصورة النمطية في ذهن المجتمع عن الداعية مقصد يجب تحقيقه، والحمد إليه.
وثاني هذه المقاصد أن يفتح مشروع «المستقبل» الجمالي الباب أمام فئام من الشعب الموريتاني، ظل جدار الانطباع المبني على الوهم سورًا بينهم وبين العاملين للإسلام، سواء منهم أولو الفن أو المسرح.. إلخ.
وإذا تحقق هذا المقصد فإنه سيحقق مقصدًا تابعًا على تعبير المقاصديين؛ لأنه سيمكن منشدين في المستقبل من الاستفادة من خصوصيات الفن الموريتاني مما وافق الشرع، حتى لا يكون الإنشاد الموريتاني مستوردًا، فإنه يجب أن ينطبع بخصوصيات «حداء الصحراء».
وأما ثالث هذه المقاصد وأولاها، فهو إتاحة الفرصة لأصحاب الحناجر المميزة من الشباب الموريتاني ليستمتعوا بالتجارب الإنشادية الناضجة، ويتلقونها كما هي صافية من نبعها الأول، عسى أن يشتد عود النشيد الموريتاني، وينفسح الطريق له لإيصال رسالة لا يمكن أن يوصلها إلا الفن والكلمة العذبة، وذلك أمر وعته بعض المشاريع في موريتانيا من قبل، فدخلت من باب الفن وأحرزت تعاطف أقوام ما كان للبرامج والتنظير أن تقنعهم.
وإذا انجلت هذه المفاهيم وتحققت هذه المقاصد، فإنه يحق لمشروع «المستقبل» أن يستبشر بـ«مستقبل» يدخل فيه الفن الإسلامي في موريتانيا — وبالتالي المشروع الإسلامي — ساحةً قوانين التدافع فيها مبنية على التي هي أجمل.

