إسماعيل ولد الشيخ أحمد.. من وساطات الأمم المتحدة إلى قيادة 57 دولة

بشائر (سياسة) – في قاعة الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي بجدة، وأمام مجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء، اختصر الدبلوماسي الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد ثلاثة عقود من الخدمة في جملة واحدة، حين وصف انتخابه بأنه أعظم تكليف في مسيرته وأرفع وسام يناله.

قد لا تكون تلك الجملة بروتوكولية تماماً؛ فالرجل الذي وصل إلى رأس ثاني أكبر منظمة حكومية دولية بعد الأمم المتحدة، يعرف أن ما ينتظره في جدة يختلف نوعياً عمّا اعتاده في صنعاء وطرابلس ودمشق.

انتخب وزراء الخارجية ولد الشيخ أحمد أميناً عاماً للمنظمة، خلفاً للتشادي حسين إبراهيم طه الذي تولى المنصب في نوفمبر 2021 وتنتهي ولايته رسمياً في نوفمبر المقبل.

دبلوماسية بنكهة الاقتصاد

وُلد ولد الشيخ أحمد عام 1960، وبدأ مساره الأكاديمي بعيداً عن العلوم السياسية والقانون الدولي، فحصل على درجة في الاقتصاد من جامعة مونبلييه الفرنسية، ثم ماجستير في تنمية الموارد البشرية من جامعة مانشستر البريطانية، وأتبعهما بشهادة متقدمة في الاقتصاد وتحليل السياسات الاجتماعية من كلية ماستريخت للدراسات العليا للحوكمة.

هذا التكوين، الأقرب إلى إدارة التنمية منه إلى فن التفاوض، سيترك أثره في أسلوب عمله لاحقاً، فنحى إلى بناء مقاربة نظرت إلى النزاعات من زاوية كلفتها الإنسانية والاقتصادية، وعلى الإنسان من حيث هو، بغض النظر عن وزن القوى المتصارعة ومصالحها.

سنوات “اليونيسف”

قضى ولد الشيخ أحمد الجانب الأكبر من مسيرته المهنية داخل المنظومة الأممية، متنقلاً بين العمل التنموي والإنساني وإدارة الأزمات.

في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) شغل مواقع عدة، بينها مدير إدارة التغيير في نيويورك، ونائب المدير الإقليمي لشرق وجنوب أفريقيا، وممثل المنظمة في جورجيا.

كانت تلك المرحلة، على هدوئها الإعلامي، مدرسته الحقيقية في التعامل مع البيروقراطيات الدولية المعقدة، وهي مهارة ستُطلب منه بإلحاح في منصبه الجديد.

مِحك صراع الإخوة..

بين عامَي 2008 و2012، عمل ولد الشيخ أحمد منسقاً مقيماً ومنسقاً للشؤون الإنسانية وممثلاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا.

ثم انتقل إلى اليمن بين 2012 و2014 في مهام أممية مماثلة، خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت رحيل علي عبد الله صالح، وبعدها عُيّن نائباً للممثل الخاص للأمين العام ونائباً لرئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

ثلاث ساحات عربية وصلها ولد الشيخ أحمد في آخر رمق الأمم المتحدة من مساعي الصلح، عُرفت به وعرف بها، وإن لم يكن الأثر بليغا فإن من أتوا بعده لم يأتوا بأحسن مما جاء به.

وفي 2015 أضاف ولد الشيخ أحمد إلى خبرته ملفاً من نوع آخر حين تولى رئاسة بعثة الأمم المتحدة للاستجابة الطارئة لوباء “إيبولا”، في وقت كانت فيه الأزمة الصحية تشكل تحدياً دولياً واسعاً.

الكويت.. الاختبار الأصعب

تبقى اليمن المحطة الأكثر حضوراً في السيرة السياسية لولد الشيخ أحمد ففي 25 أبريل 2015، عيّنه الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك؛ بان كي مون، مبعوثاً خاصاً لليمن، خلفاً لجمال بنعمر، مكلفاً بالعمل مع مجلس الأمن ودول الخليج وحكومات المنطقة والأطراف اليمنية، سعياً إلى تسوية سياسية.

قاد لاحقاً مشاورات السلام اليمنية في الكويت عام 2016، التي جمعت الحكومة اليمنية و”المؤتمر الشعبي العام” و”الحوثيين” في جلسات مباشرة، وبحثت مسارات وقف القتال والترتيبات الأمنية والسياسية.

لم تصل تلك المفاوضات إلى اتفاق نهائي، لكنها وضعت الدبلوماسي الموريتاني في قلب واحد من أكثر نزاعات المنطقة تعقيداً، وأكسبته سمعة الوسيط الصبور الذي يعمل على مسافة متساوية من الأطراف، وهي سمعة كلّفته في المقابل انتقادات من كل الجهات.

من نواكشوط إلى جدة..

بعد انتهاء مهمته اليمنية، عاد ولد الشيخ أحمد إلى نواكشوط من بوابة الدبلوماسية الوطنية، فتولى وزارة الشؤون الخارجية والتعاون من 2018 حتى مطلع 2022، ثم انتقل إلى موقع أكثر قرباً من مركز القرار حين عُيّن مديراً لديوان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.

وفي كل مساره ظل التعامل مع الأزمات خيطاً ثابتاً في مسيرة ولد الشيخ أحمد، سواء حين كان مطلوباً منه تقريب أطراف النزاع اليمني، أو في عمله بسوريا وليبيا تحت المظلة الأممية، أو في تمثيله سياسة بلاده.

لكن الاختبار المقبل أوسع من إدارة وساطة بين طرفين أو ثلاثة، حيث الغاية صناعة توافق إسلامي بين 57 دولة تتباين مصالحها وتحالفاتها.

ينضاف لذلك ان ميثاق المنظمة يكلّفه بمتابعة تنفيذ قرارات القمم الإسلامية ومجالس وزراء الخارجية، وتنسيق عمل أجهزة المنظمة، ورفع القضايا التي قد تخدم أهدافها أو تعرقلها.

صلاحيات واسعة على الورق يمنحها القانون لولد الشيخ أحمد في تدبير منصبه الجديد، لكن ممارستها كثيرا ما تصطدم بحدود الإجماع بين الأعضاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *