أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمِ
مَزَجْتَ دَمْعًا جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ
أَمْ هَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ تِلْقَاءِ كَاظِمَةٍ
وَأَوْمَضَ البَرْقُ فِي الظَّلْمَاءِ مِنْ إِضَمِ
فَمَا لعَيْنَيْكَ إِنْ قُلْتَ اكْفُفَا هَمَتَا
وَمَا لِقلْبِكَ إِنْ قُلْتَ اسْتَفِقْ يَهِمِ..
سبعة قرون تتعاقب على الأرض، والأبيات ما تزال غضة كأنها ولدت الآن؛ غمامة وجد لا تنقشع عن القلوب اليابسة، ومطر حنين لا ينقطع مده ولا يغيض معينه. كتبها البوصيري وهو سجين الجسد المكدود بالفالج، فإذا بالقصيدة تنهض من تحت ضعفه، وتمضي وحدها في دروب الزمان، تحمل أريج الحجاز طريا كما خرج أول مرة، وتلقيه في أرواح قوم لم تقع أعينهم على تلك الربوع قط. وتلك سنة الكلمة إذا خرجت من موضع الصدق: لا تدفن مع صاحبها، ولا تطوى في أكفانه، بل تخرج من جنازته حية، مرفوعة على أسنة القلوب.
“بذي سلم”… “كاظمة”… “إضم”… ما هذه الأسماء الصغيرة التي تفعل بنا فعل السحر؟ مواضع في الجغرافيا يطأها الراحلون، ولكنها في لغة العاشقين تعاويذ وجد، ينبس بها الشاعر فتنفجر في الحنايا ينابيع من حنين خافت. ولم يكن البوصيري يسأل حين سأل، إنما كان يعترف: ما بال الريح تهز أركان الصدر كلما هبت من تلقاء الحجاز؟ وما الذي يجعل البرق يفتح في سويداء القلب كوة من الشجن لا تسد؟
لقد تجاوز المكان نفسه، و صار ذاكرة تمشي على قدمين في وجدان الأمة، منذ اللحظة التي أخرج فيها النبي ﷺ من أرضه. وعندما بلغ ثنية الوداع، التفت إليها التفات القلب الممزق وقال: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت». ومنذ تلك اللحظة، حمل كل مسلم في أقاصي الأرض لمكة عهد الوفاء، وساق إليها أعذار النوى .
وليس الحب صدى في جهة واحدة؛ فالأرض أيضا تحفظ العابرين في ذاكرتها. وفي مجلس هشام بن عبد الملك، حين أريد لزين العابدين أن يطمس حضوره، انفجر الفرزدق كالسيل الذي انكسر سده، يهدر في وجه الصمت:
هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ البَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ
وَالبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللهِ كُلِّهِمِ
هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ
يَكَادُ يُمْسِسُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ
رُكْنُ الحَطِيمِ إِذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ
والبطحاء ما كانت يوما حجارة صماء، إنما كائن يعقل ويذكر، والقدم التي طافت بالبيت تترك في رخامه سجلا نورانيا، يتعرف البيت على صاحبه كلما جدد الأوبة. وما كانت لتعرف من تعرف، لولا أنها أول تراب كان مهدا للنعل الشريف؛ فالحنين إلى ذي سلم وكاظمة وإضم ليس في حقيقته حنينا إلى ربوع وأطلال، إنما هو حنين إلى من تطيبت بأنفاسه تلك الربوع صلوات ربي وسلامه عليه ، ودمعة البوصيري حين هبت عليه ريح كاظمة لم تكن على الرمل، إنما كانت على ذكرى من مشى على ذاك الرمل.
لكن السؤال يظل مشتعلا كجمر تحت الرماد: ماذا يفعل من منع الطريق إليه؟ من حبس بينه وبين الحمى كما يحجز الطائر عن السماء؟ من لم يكتب له أن يضع قدمه على عتبة الحطيم، ولا أن يلمس تراب الوحي؟ من صومعته في اليمن، يطل البرعي كقنديل في ليل العابرين، يعلم أن الطريق إلى الحبيب ليس مسافة تقاس، و إنما انكسار يعاش بكل فخر و متعة..
أَغِيبُ وَذُو اللَّطَائِفِ لَا يَغِيبُ
وَأَرْجُوهُ رَجَاءً لَا يَخِيبُ
وَأُنْزِلُ حَاجَتِي فِي كُلِّ حَالٍ
إِلَى مَنْ تَطْمَئِنُّ بِهِ القُلُوبُ
ثم يسترسل، وقد ذابت أوهام البعد في يقين الفقير، فما عاد للعبد باب سوى بابه:
فَكَمْ لِلَّهِ مِنْ تَدْبِيرِ أَمْرٍ
طَوَتْهُ عَنِ المُشَاهَدَةِ الغُيُوبُ
وَمَا لِي غَيْرَ بَابِ اللهِ بَابٌ
وَلَا مَوْلَى سِوَاهُ وَلَا حَبِيبُ
فيطرق باب الله بجاه أحب خلقه إليه، فتنساب شفتاه بالاستغاثة، وتلتقي في صدره عقيدة التوحيد بصبابة التشوق:
لِكُلِّ خَطْبٍ مُهِمٍّ حَسْبِيَ اللهُ
أَرْجُو بِهِ الأَمْنَ مِمَّا كُنْتُ أَخْشَاهُ
وَأَسْتَغِيثُ بِهِ فِي كُلِّ نَائِبَةٍ
وَمَا مَلَاذِي فِي الدَّارَيْنِ إِلَّا هُوَ
وكلما استغاث بربّ المشاعر، اشتد بقلبه الحنين إلى مشاعر الحبيب، حتى يهبط بقلبه الطائر على الوادي، فينزل بسلامه على المروتين، ويكشف عن مذهبه في الحب:
بِاللهِ سَلِّمْ عَلَى الوَادِي وَجِيرَتِهِ
وَمَا حَوَاهُ مُصَلَّاهُ وَمَسْعَاهُ
كَمْ يَدَّعِي حُبَّ أَهْلِ المَرْوَتَيْنِ مَعِي
مَنْ لَا تُصَدِّقُهُ فِي الحُبِّ دَعْوَاهُ
أُخْفِي مَحَبَّتَهُمْ عَنْهُمْ وَأَجْحَدُهَا
وَأَصْعَبُ المَذْهَبِ العُذْرِيِّ أَخْفَاهُ
مَا لِي إِذَا ذُكِرَتْ جَرْعَاءُ ذِي سَلَمٍ
أَرْخَصْتُ مِنْ دَمْعِي المِهْرَاقِ أَغْلَاهُ؟
وما عاد هذا الحب عاطفة تطرأ ثم تزول، بل صار جبلة متأصلة، طبيعة تجري في العروق مجرى الدم:
طَبِيعَةٌ مِنْ طِبَاعِ النَّفْسِ خَامِسَةٌ
تُمْلِي عَلَى خَطَرَاتِ القَلْبِ ذِكْرَاهُ
مَحَبَّةٌ لِرَسُولِ اللهِ أَدخِرُهَا
لِيَوْمِ أُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِي فَأُجْزَاهُ
مُحَمَّدٌ سَيِّدُ السَّادَاتِ مَنْ وَطِئَتْ
حُجْبَ العُلَى لَيْلَةَ المِعْرَاجِ نَعْلَاهُ
وَمِثْلُهُ مَا رَأَتْ عَيْنٌ وَلَا سَمِعَتْ
وَلَا بِهِ نَطَقَتْ فِي الكَوْنِ أَفْوَاهُ
طبيعة خامسة تجري مع الدم، لا تدخل على الكريم بأكثر من فقرك، ولا تصل إلى الحبيب بأجمل من تجردك.
ويطوي الزمن صفحات بعد صفحات، ولا ينطفئ هذا القنديل؛ تتهامس به صوامع المنفى من قرن إلى قرن، حتى يطلع تميم من منفاه المعاصر، فيجد بردته قد سبقته إلى ذات النهر، ويكتشف مذهولا أن بينه وبين تلك الرحاب ميثاقا سابقا للأجساد، عقدته الأرواح في مجالس الأزل:
مَا لِيْ أَحِنُّ لِمَنْ لَمْ أَلْقَهُمْ أَبَدَا
وَيَمْلِكُونَ عَلَيَّ الرُّوحَ والجَسَدَا
إني لأعرِفُهُم مِنْ قَبْلِ رؤيتهم
والماءُ يَعرِفُهُ الظَامِي وَمَا وَرَدَا
وَسُنَّةُ اللهِ في الأحبَابِ أَنَّ لَهُم
وَجْهَاً يَزِيدُ وُضُوحَاً كُلَّمَا اْبْتَعَدَا
كَأَنَّهُمْ وَعَدُونِي فِي الهَوَى صِلَةً
وَالحُرُّ حَتِّى إذا ما لم يَعِدْ وَعَدَا
ومن مقام التعارف الروحي هذا، لا يطلب مغنما من دنيا، ولا يسعى إلى مكرمة من سلطان، إنما يروم مدد النبوة يوم يصفر الوجه ويضيق المكان:
إِنِّي لأَرْجُو بِمَدْحِي أَنْ أَنَالَ غَدَاً
مِنْهُ الشَّجَاعَةَ يَوْمَ الخَوْفِ وَالمَدَدَا
أَرْجُو الشَّجَاعَةَ مِنْ قَبْلِ الشَّفَاعَةِ إِذْ
بِهَذِهِ اليَوْمَ أَرْجُو نَيْلَ تِلْكَ غَدَا
وَلَسْتُ أَمْدَحُهُ مَدْحَ المُلُوكِ فَقَدْ
رَاحَ المُلُوكُ إِذَا قِيسُوا بِهِ بَدَدَا
وَلَنْ أَقُولَ قَوِيٌّ أَوْ سَخِيُّ يَدٍ
مَنْ يَمْدَحِ البَحْرَ لا يَذْكُرْ لَهُ الزَّبَدَا
ثم تنفجر بردته في نهايتها بصلاة تطير مع هديل الحمام الرحل نحو الحمى، فلا تبقى للوجد في الصدر غاية سوى أن ينسكب في تلك الصلاة:
وَصَلِّ يَا رَبِّ مَا غَنَّتْ مُطَوَّقَةٌ
تُعَلِّمُ الغُصْنَ مِنْ إِطْرَابِهَا المَيَدَا
عَلَى مُحَمَّدٍ الهَادِي مُحَمَّدِنَا
نَبِيِّنَا شَيْخِنَا مَهْمَا الزَّمَانُ عَدَا
وهنا تنحل الفواصل بين الأزمنة، ويتوحد الظرف بالمظروف، فيلتقي البوصيري والبرعي وتميم على نفس واحد، كأنهم منذ الأزل يتناوبون قراءة قصيدة واحدة، عنوانها الشوق، وتوقيعها قلب لا يقوى أن يكتم الحنين.
و يخبو كل شيء، إلا ذلك النداء القديم الذي لا يشيخ، والذي يلامس شغاف القلب فيرميها من سكون إلى اشتعال، ومن إبداع بشري إلى سمو ملائكي.
فالطريق إليه صلى الله عليه و سلم، لم يكن يوما مسافة تقطع بلغة المكان و لا سفرا قاصدا بتعابير الزمان و إنما نور يستضاء به و محجة بيضاء ليلها كنهارها، و من ذاق محبته لم يعرف لنفسه مقاما غير المحبة حيث يبدأ الشعر و لا ينتهي!

