إشكالية الشرعية الديمقراطية في دول الساحل/مالي نموذجا: إعداد الطالب بمرحلة الدكتوراه/العلوم السياسية/جامعة محمد الخامس بالمغرب: إدوم محمد يحي

إشكالية الشرعية الديمقراطية في دول الساحل/مالي نموذجًا:

تُعتبر الديمقراطية، كممارسة على الصعيد الإفريقي، حديثة نسبيًا، كما أنها لم تخلُ من العراقيل في معظم تجاربها، بيد أن الأمر، ورغم تعدد التجارب، لا يزال يُنظر إليه باعتباره الحل السحري لدى بعض النخب، بينما يُتخذ الأمن والاستقرار وسيلةً للتبرير لدى آخرين، وإن بدا أن شعارات الأمن ليست، في الغالب، سوى كلمات بلا معنى.

من هنا تبرز مسألة الشرعية الديمقراطية في دول الساحل، كإشكالية يُراد لها أن تجد حلًا يُخرج المنطقة من ظلمات الجريمة والصراع إلى نور التنمية والاستقرار السياسي والمجتمعي. وقد عرفت بعض بلدان الساحل صراعات على السلطة، كانت مبرراتها المعلنة نبذ التدخلات الأجنبية باعتبارها ليست إلا نمطًا من الاستعمار القديم.

غير أن الواقع الجديد اعتمد كثيرًا على ثنائية الانسحاب والطرد، معتمدًا على الاستبدال، بينما تقتضي السيادة الحقة الاستغناء عن الأصل والبديل معًا، إذ إن المآخذ نفسها التي يأخذها الحكام العسكريون على شراكات دولهم وتحالفاتها السابقة لوصولهم إلى السلطة عبر الانقلابات العسكرية، هي ذاتها التي تُؤخذ اليوم على الشراكات التي أرسوها، وبذلك تبتعد بلدانهم عن السيادة المنشودة، أو تبقى، في أحسن الأحوال، تراوح مكانها (1).

وفي ظل هذا الواقع، يصبح من المهم بالنسبة للأنظمة في دول الساحل، لا سيما مالي، «محل دراسة هذا المقال»، الاهتمام بالجبهة الداخلية والعمل على التصالح مع مختلف مكونات المجتمع، خاصة على الصعيد العسكري والسياسي والتنموي، مع تجاوز عقدة التدخل والتأثير الخارجي في المشهد (2)، وهو ما سيمنح هذه الدولة القدرة على تحقيق أهدافها المنشودة.

وقد اعتمدت السلطات الحالية في مالي، منذ الإطاحة بالنظام المنتخب، سياسة «الثورة على كل شيء والتصادم مع دول الإقليم»، مبررة ذلك بأكثر من سبب، من بينها ضرورة تحقيق السيادة الوطنية للبلاد. كما انتهجت بلدان كونفدرالية الساحل الجديدة (مالي، النيجر، بوركينافاسو) منحًى ارتكز في مجمله على مبررات للسياسة الجديدة، من أهمها:

  • استبدال التحالفات في السياسة الخارجية.
  • خنق الديمقراطية والحريات العامة.
  • العمل على تشكيل قوة مشتركة لمكافحة الإرهاب.
  • محاولة تنمية التجارة والعمل البيني.

وقد اتسعت دائرة الصراع منذ استيلاء الجيش على السلطة عبر الإطاحة بالرئيس المدني المنتخب، حيث ازدادت الأزمات الداخلية، خاصة في شقيها الأمني والعسكري، وتقلصت، بشكل لافت، المساحات الجغرافية التي كانت تحت سيطرة الدولة في مالي، مقابل المكاسب الميدانية التي حققتها الحركات الانفصالية في الشمال، وكذلك الحركات المتشددة في مناطق واسعة من البلاد، خاصة في المثلث الحدودي مع كل من النيجر وبوركينافاسو.

يمكن القول إن جمهورية مالي لها خصوصيتها؛ إذ عرفت، وعلى مدار عقود من الزمن، الكثير من عدم الاستقرار السياسي والأمني، ما أدى إلى ما يمكن وصفه بالإنهاك الشديد للسلطة المركزية، وتشعبت عن ذلك أزمات إثنية عديدة بعد اشتداد الصراع ذي الطابع العرقي والقبلي (5)، نتيجةً للتباين المجتمعي في المنطقة. ففضلًا عن الأزمات السياسية وضعف المؤسسات والخدمات التي ورثتها هذه الدول عن المستعمر الفرنسي، انجرت عن ذلك أزمات أخرى ذات طابع أمني وجيوسياسي بالغ التعقيد، أجهضت كل محاولات البناء وإصلاح واقع النظام السياسي خلال عقود من عمر الدولة الحديثة، مع تزايد الإرهاب والجريمة المنظمة، خاصة خلال العقدين الأخيرين.

ويظل السؤال قائمًا حول آفاق هذا الصراع، فنظرًا للموارد الطبيعية الهائلة التي تزخر بها دولة مالي، مثل الذهب والنحاس وغيرهما من المواد ذات الأهمية لبقية دول العالم، فقد أدى ذلك إلى تزايد النزاع في البلاد خلال السنوات الأخيرة، إلى درجة أصبح معها يهدد وجود الدولة ككيان (6). كما أن ما تزخر به المنطقة من موارد ومعادن خام أدى إلى تصاعد الصراع بين القوى الدولية، ممثلة في الدول الكبرى، كالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والاتحاد الأوروبي وفرنسا على وجه الخصوص، وهو ما زاد من فتيل الأزمة وتداعياتها التي لا حصر لها، وإن كان أبرزها الجانبان الأمني والسياسي.

ولأن أمن الدول المحيطة في الإقليم يُعد جزءًا من أمن هذه المنطقة، وله انعكاساته على الفضاء المتوسطي ومنطقة شمال إفريقيا ككل، فإن أي استراتيجية لا تأخذ ذلك في الحسبان محكوم عليها بالفشل. هذا فضلًا عن أن معالجة مشكلات المنطقة يطغى عليها، حتى الآن، البعد الأمني والعسكري أكثر من غيره، رغم أنه يمكن، وبشكل أكثر واقعية، اعتبارها مشكلات اجتماعية واقتصادية بالدرجة الأولى.

ولئن كانت الأزمة الأمنية والسياسية في الساحل لها عديد العوامل التي تساعد على استمرارها من جهة، فإن التدخلات الخارجية وتدهور الأوضاع يزيدان من صعوبة السيطرة على الوضع في هذه البلدان، وكذا التحكم فيه (8)، لا سيما مع وجود قوى دولية تتداخل مصالحها وتتشابك.

ولذلك يمكن القول إن الأزمة التي تعرفها منطقة الساحل والصحراء ليست أزمة يمكن الاحتكام فيها إلى السلاح فقط، إذ لها أبعاد متعددة؛ فهي أزمة مركبة، تجمع بين ما هو اجتماعي بحت، وما هو سياسي وأمني صرف، إلى جانب التباين الثقافي والعرقي، وهو ما أتاح للتدخلات الخارجية إيجاد مدخل إلى المنطقة (9).

فالواقع في المنطقة اليوم يشي بوجود ليس فقط تصدع، بل انهيار ونهاية «لكل التحالفات والاصطفافات السياسية» التي سبقت مرحلة الانقلابات العسكرية منذ عام 2020، خاصة بعض التحالفات التي كانت مناوئة لمصالح بعض الدول المغاربية (10)، والتي لم تكن، في أساسها، منسجمة، كما كانت تفتقد إلى أي نفس استراتيجي على المدى البعيد، وهو ما أثبتته فعلًا التطورات المتلاحقة على الصعيد الإفريقي.

وعلى الرغم من كل ما سبق، فإن التحولات المتلاحقة التي تعرفها الساحة الدولية في الوقت الراهن تفرض تعاملاً ذكيًا مع المحيط وتفاعلاته، وهو الأمر الذي بدأت بعض الأنظمة تدركه، لذلك اتجهت العديد من الدول في السنوات الأخيرة نحو اختيار الانخراط في نهج علاقات مبنية على أساس «رابح ـ رابح»، وهو ما يمهد لتغيير استراتيجي في مواقف هذه الدول تجاه بعض الأزمات المركبة في المنطقة (11).

وإلى جانب كل الأسباب السابقة، فإن ضعف الدولة مركزيًا، إلى جانب تدخل قوى دولية مؤثرة في الصراع القديم المتجدد ضمن النزاعات الإقليمية والدولية، خاصة على مستوى غرب وشمال إفريقيا، زاد من التعقيد الأمني (12)، وأثر على استقرار منطقة الساحل بشكل عام.

بيد أن الحكومة المالية، وخلال تصريح لوزير الخارجية في لقاء جمعه بالسفراء المعتمدين في باماكو يوم 07/05/2026، أكدت أنها ستظل صامدة بفضل دعم الشعب المالي وكونفدرالية دول الساحل، مشيرًا إلى أن العمليات المسلحة الأخيرة التي عرفتها بلاده مدعومة من قبل «دول إرهابية»، على حد وصفه، دون أن يسمي هذه الدول.

فهل تدرك الأنظمة السياسية الحاكمة في دول الساحل، والنخب في هذه الدول، أن انهيار الدولة في جمهورية مالي سيمهد حتمًا لانهيار المنظومة الحاكمة في دول الإقليم كذلك؟

أم أن هاجس ظهور حالتي «السودان وليبيا» يظل مستبعدًا وغير واقعي؟

المراجع:

أولًا: الأطروحات

  • التنمية الإنسانية وإشكالية الأمن الإنساني في الساحل الإفريقي / بلقاسم أمين.
  • التعاون الأمني في شرق آسيا في ظل التوازنات الإقليمية / وفاء حامدي الشريف.
  • البعد القبلي (2014 ـ 2024) في إدارة الأزمة الليبية في ظل الأدوار الإقليمية والدولية / سلمى عياشي.
  • السياسات الأمريكية في خلق الاضطرابات / مبدأ «فرق تسد».
  • التخوفات العربية من سايكس ـ بيكو جديدة في المنطقة العربية.
  • الرؤية المستقبلية لواقع المنطقة العربية اعتمادًا على التغيرات التاريخية.

ثانيًا: الكتب

  • حياة موريتانيا: حوادث السنين، أربعة قرون من تاريخ موريتانيا / المختار حامد، تحقيق وتقديم سيد أحمد بن محمد سالم.

ثالثًا: المقالات

  • ذ. محمد آشلوح، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس / مقال علمي.
  • مشكلات الحدود في القارة الإفريقية وتأثيرها على العلاقات الإقليمية: مثال العلاقات الموريتانية ـ السنغالية / ذ. سيد محمد سيد أب.
  • أزمة بوكو حرام وتقييم الجهود في محاربتها / حكيم نجم الدين ـ مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلامية.
  • بوكو حرام في بحيرة تشاد: الاستراتيجية الحديثة في الساحل الإفريقي وآثارها على المنطقة / د. آدم يوسف.
  • دور الحكومة الإثيوبية في توحيد مسلمي إثيوبيا / أنور إبراهيم.
  • محفوظ ولد السالك، كاتب مختص بغرب إفريقيا / مركز الجزيرة للدراسات ـ 25/10/2021.
  • ذ. محمد آشلوح، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس / مقال علمي.
  • محفوظ ولد السالك، كاتب مختص بغرب إفريقيا / الأزمة السياسية والأمنية بالساحل: الواقع والتحديات.
  • د. محمد اسبيطلي، مقال منشور بمركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلامية.
  • كويس كاورثي، نائب رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي / تصريح صحفي.

إعداد الطالب بمرحلة الدكتوراه ـ العلوم السياسية ـ جامعة محمد الخامس بالمغرب: إدوم محمد يحي

3 thoughts on “إشكالية الشرعية الديمقراطية في دول الساحل/مالي نموذجا: إعداد الطالب بمرحلة الدكتوراه/العلوم السياسية/جامعة محمد الخامس بالمغرب: إدوم محمد يحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *